علمنى رسول الله (31)ان المؤمن يستبشر ولا يياس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

علمنى رسول الله (31)ان المؤمن يستبشر ولا يياس

مُساهمة  الشيخ حسنى شتيوى في السبت أبريل 18, 2015 7:24 pm


الحمد لله
#######
رب الأرض ورب السماء،
خلق آدم وعلمه الأسماء،
وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة دار البقاء،
وجعل الدنيا لذريته دار عمل لا دار جزاء،
وتجلت رحمته بهم فتوالت الرسل والأنبياء،
وأنزل القرآن لما في الصدور شفاء،
فأضاءت به قلوب العارفين والأتقياء،
وترطبت بآياته ألسنة الذاكرين والأولياء،

نحمده -تبارك وتعالى- على النعماء والسراء،
########################
ونستعينه على البأساء والضراء،
ونعوذ بنور وجهه الكريم من
جهد البلاء
ودرك الشقاء
وعضال الداء
وشماتة الأعداء،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ليس له أنداد ولا أشباه ولا شركاء،
#####################################
محيط بخلقه فليس لهارب منه نجاء،
قادر مقتدر فكل الممكنات في قدرته سواء،
سميع بصير
يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء، ويسمع دبيبها على الصخرة الصماء،
أجرى الأمور بحكمته
وقسم الأرزاق
وفق مشيئته بغير عناء.


وأشهد أن سيدنا محمدًا خاتم الرسل والأنبياء،
############################
وإمام المجاهدين والأتقياء،
سبح الحصى في كفه بخير الأسماء،
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الأجلاء،
وعلى السائرين على دربه والداعين بدعوته إلى يوم اللقاء
ما تعاقب الصبح والمساء، وما دام في الكون ظلمة وضياء.

أما بعد:

عباد الله: مع تسارع الأحداث حولنا وكثرة المتغيرات، وظهور الصراعات،
واحتدام المشاكل والنزاعات بين الأفراد والشعوب والمجتمعات،
وتوالي الابتلاءات،
يظن الإنسان وهو في حالة ضعف إيماني وصلة بالله وعدم استيعاب لحقيقة هذه الدنيا، أنها نهاية الحياة،
وأنه لا خير فيها ولا نجاة منها،
ويتوقع الشر بكل صوره، فيملأ قلبه بالخوف والقلق والاضطرابات النفسية،
وتأتيه التكهنات والهواجس في أقبح صورها وأبشع مظاهرها،
فتضعف القيم العظيمة في نفسه، وتسوء أخلاقه وتنعدم الثقة بمن حوله،
فيخسر حياته وسعادته ودينه وآخرته.

ونسي هذا الإنسان أن لهذا الكون
####################
رباً عظيماً يحكم فيه بمشيئته، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه،
يبتلي العباد لحكمة هو يعلمها وهو أرحم بهم من أنفسهم،
ملكٌ يُدبِّر أمرَ عباده،
يأمرُ وينهَى،
ويُعطِي ويمنع،
ويخفضُ ويرفع،
أوامرُه مُتعاقبةٌ على تعاقُب الأوقات،
نافذةٌ بحسب إرادته ومشيئته،
فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن:
###################
(يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)
[الرحمن: 29].

لا يغفل ولا ينام،
يُفرِّج كربًا،
ويجبِر كسيرًا،
ويُغنِي فقيرًا،
ويُجيبَ دعوةً،
ويدفع شراً
وينصر مظلوماً
ويبطش بجبارٍ
ويطعم جائعًا
ويشفي مريضاً؛
قال عن نفسه:
#########
(وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)
[المؤمنون: 17].

لذلك كان لزاماً على المسلم أن
##################
لا يستسلم
أو يضعف
أو ييأس
حتى لا تعتريه هذه الهموم والمخاوف والأوهام،
وليثق بالله وليتوكل عليه،
وإن نزل البلاء كان على يقين
بأن هذه سنة الله في هذه الحياة،
وأن الله -سبحانه وتعالى- لا يريد بهذا البلاء مهما كان إلا الخير لعباده لحكمة قد لا نعلمها وقد لا ندركها،
وعليه أن يبذل ما يستطيع من جهد لدفعه بالوسائل الشرعية والمادية،
ولو بدعاء أو كلمة أو نصيحة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر،
والله -سبحانه وتعالى- يتولى بعد ذلك أموره كلها،
فيجعل بعد الضيق فرجًا،
وبعد العسر يسرًا.

وانظروا إلى أصحاب الإيمان من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
##########################################
يوم الأحزاب
وقد تكالبت عليهم ورمتهم بقوس واحدة وحاصرت مدينتهم،
وقد بلغت القلوب الحناجر من شدة الحال،
واليهود قد نقضوا الصلح
وتآمروا عليهم،
وفي هذه اللحظة العصيبة
والموقف الحرج
والجوع
والليلة الظلماء
والريح
ماذا قال أصحاب الإيمان؟!
قال تعالى:
########
(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً)
[الأحزاب:22]،

ويوم أن خوفوهم بأعدائهم وعدتهم،
######################
وكيف أنهم قد أجمعوا أمرهم على حربهم والقضاء عليهم بعد معركة أحد،
وما زالت جراحهم تنزف،
لم يخف الصحابة
ولم يعترِهم الهم والقلق،
ولم يتطرق اليأس إلى قلوبهم،
بل صور -سبحانه وتعالى-
موقفهم وثباتهم وقوة إيمانهم وكيف كانت عاقبتهم،
قال تعالى:
#######
(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)
[آل عمران173]،
فما الذي حصل؟!
كان الفرج الإلهي والتوفيق الرباني حظهم ونصيبهم جزاءً لهذا الإيمان واليقين بالله والتوكل عليه:
(فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ)
[آل عمران: 173، 174]،
ولذلك قال تعالى بعدها:
(إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ)،
يعني: يخوفكم بأوليائه ومناصريه:
(فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
[آل عمران175].

أيها المؤمنون عباد الله: إن الأحداث والهواجس والمخاوف التي يعيشها المسلم مهما كان تأثيرها على مسيرة حياته وعلاقته بربه وبمن حوله
قد لا يدرك وهو في حالة ضعف من الإيمان والصلة بالله
أن طوق النجاة قريب منه،
وأن الخير في متناول يده،
وأن الفرج قاب قوسين أو أدنى.
ورب محنة كانت منحة ربانية
فمن ذلك: تكفير الذنوب والخطايا،
ورفع الدرجات،
وتطهير النفوس وتزكيتها،
وربطها بخالقها،
والتمكين والنصر والتمييز
والتمحيص بين العباد،
ومعرفة أهل الصدق والصبر والإيمان،
وكشف وفضح أهل الخيانة والكذب والنفاق؛
قال تعالى:
#######
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَلصَّبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَرَكُمْ)
[محمد:31]،
وقال تعالى:
#######
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)
[البقرة:155].

فإذا زارتك شدة فإنما هي سحابة صيف،
########################
فلا يخيفنك رعدها ولا برقها،
فربما تكون محملة بالغيث،
هبّت عاصفة شديدة على سفينة في عرض البحر فأغرقتها ونجا بعض الركاب،
منهم رجل أخذت الأمواج تتلاعب به
حتى ألقت به على شاطئ جزيرة مجهولة ومهجورة،
ما كاد الرجل يفيق من إغمائه ويلتقط أنفاسه، حتى سقط على ركبتيه وطلب من الله المعونة والمساعدة،
وسأله أن ينقذه من هذا الوضع الأليم،
مرت عدة أيام كان الرجل يقتات خلالها من ثمار الشجر وما يصطاده من أرانب ويشرب من جدول مياه قريب
وينام في كوخ صغير بناه من أعواد الشجر ليحتمي فيه من برد الليل وحر النهار،
وذات يوم أخذ الرجل يتجول حول كوخه قليلاً ريثما ينضج طعامه الموضوع على بعض أعواد الخشب المتقدة،
ولكنه عندما عاد
فوجئ بأن النار التهمت كل ما حولها،
فأخذ يصرخ: لماذا؟!
حتى الكوخ احترق،
لم يعد يتبقى لي شيء في هذه الدنيا، وأنا غريب في هذا المكان،
والآن يحترق الكوخ الذي أنام فيه!!
لماذا كل هذه المصائب تأتى عليّ؟!
نام الرجل من الحزن وهو جوعان،
ولكن في الصباح كانت هناك مفاجأة في انتظاره،
إذ وجد سفينة تقترب من الجزيرة وينزل منها قارب صغير لإنقاذه،
فلما صعد على سطح السفينة
أخذ يسألهم كيف وجدوا مكانه وما الذي دلهم عليه؟!
فأجابوه:
لقد رأينا دخاناً، فعرفنا أن شخصاً ما يطلب الإنقاذ!!
فإذا ساءت ظروفك فلا تخف،
فقط ثِق بأن الله له حكمة في كل شيء يحدث لك،
وأحسن الظن به.
والأحداث من حولنا والمصائب والكوارث والفتن قد تكون طوق نجاة لنا جميعاً؛
لأن الله هو العدل الذي لا يجور،
فأحسنوا العمل
وثقوا بالله
وأحسنوا الظن به،
فإنه كريم عظيم. اللهم اهدنا بهداك، ولا تولنا أحداً سواك.


عباد الله: لقد نسي الكثير من الناس في غمرة الأحداث والفتن والمصائب والكوارث
###############################################
أن الله هو الذي بيده الموت والحياة،
وكل شيء عنده بمقدار،
وأنه كتب الآجال
وقدّر الأقدار
وحكم بين العباد،
ولا يجري في هذا الكون أمر إلا بإرادته ومشيئته،
وعنده علم الغيب لا ينازعه فيه أحد؛
قال تعالى:
######
(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)
[الأنعام: 59].
وكان لضعف الصلة بالله والثقة به والتوكل عليه، والتساهل في العبادات والطاعات،
والتكاسل عن الواجبات،
وعدم شكر النعم؛ الدور الأكبر في ضيق النفوس وتكدر الأحوال.
فكيف ترجو السعادة وتريد العون وتتطلع إلى الفرج والأمن النفسي
وثقتك بالله ضعيفة،
وتوكلك عليه ضعيف!!

قال عامر بن قيس:
#############
"ثلاث آيات من كتاب الله استغنيت بهن على ما أنا فيه:
قرأت قول الله تعالى:
############
(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ)
[الأنعام:17]،
فعلمت وأيقنت أن الله إذا أراد بي ضرًّا لم يقدر أحد على وجه الأرض أن يدفعه عني،
وإن أراد أن يعطيني شيئًا لم يقدر أحد أن يأخذه مني،

وقرأت قوله تعالى:
##########
(فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ)
[البقرة:152]،
فاشتغلت بذكره -جل وعلا- عمّا سواه،

وقرأت قوله تعالى:
##########
(وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
[هود:6]،
فعلمت وأيقنت وازددت ثقة بأن رزقي لن يأخذه أحد غيري".


إننا بحاجة إلى هذا الإيمان بالله وهذا اليقين وهذه العقيدة
#################################
في زمن فسدت فيه القيم والأخلاق،
وتجرّأ الناس فيه على المعاصي والسيئات،
وارتكبت المحرمات
وسفكت الدماء
وانتهكت الأعراض،
وتعدى المسلم على أخيه المسلم،

إننا بحاجة إلى هذا الإيمان
#################
لنتجاوز المحن والفتن والابتلاءات
وقد حفظنا ديننا وأخوتنا وأوطاننا ومجتمعاتنا،
إننا بحاجة إلى تقوية هذا الإيمان في قلوبنا حتى نشعر بمعية الله وتوفيقه،
وحتى لا تطول تعاستنا ويزداد شقاؤنا وتكثر همومنا ومشاكلنا.

عباد الله:
######
إن بعد العسر يسرًا،
وإن بعد الشدة فرجاً ومخرجاً،
وإنها لسنة من سنن الله الذي بيده كل شيء، وأمره بين الكاف والنون،
وإرادته فوق كل شيء
مهما كانت قوة البشر ومهما أحكمت خططهم ومهما كثرت عدتهم وأعدادهم، ومهما بلغ كيدهم وبطشهم وجبروتهم،

هذا يوسف -عليه السلام-
###############
وقد ألقاه إخوته في البئر وهو طفل صغير في مكان مهجور وبعيد،
ولا يعلم بذلك أحد من الناس،
كيف جاءه الفرج وطوق النجاة رغم هذه الشدة البلاء الذي يعيشه
، لقد جاء الفرج وهو يلقى في البئر:
######################
(وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)،
أي فرج هذا؟!
أوحى الله إليه وحي إلهام،
لا تخف من الهلاك،
لا تخف ستعيش، وستصل إلى مكانة ومنزلة تنبئهم بأمرهم، بكيدهم وهم لا يشعرون.
لما أخرج الله يوسف -عليه السلام- من السجن
لم يرسل صاعقة تخلع باب السجن،
ولم يأمر جدران السجن فتتصدّع،
بل أرسل رؤيا تتسلل في هدوء الليل لخيال الملك وهو نائم،
فيطلب من سيدنا يوسف أن يفسرها ويخرج من السجن عزيزًا كريمًا،

لبحطبة الثانية
#########

ومن اعظم الدروس النبوية التى يطمئن بها قلب المؤمن
وتعطية جرعات من الامل
صلح الحديبة
#########
صلح الحديبية عهد واتفاق، تم بين المسلمين وقريش في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة قرب موضع يقال له الحديبية قبيل مكة.
ففي ذلك العام رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه
#######################################
أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأنهم يطوفون بالبيت،
فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بذلك، ففرحوا فرحا شديدا، فرؤيا الأنبياء حق،
وقد اشتد بهم الحنين إلى تأدية النسك والطواف بالكعبة ودخول مكة، موطنهم الأول ومسقط رأسهم .

خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
###################
ومعه زوجه أم سلمة في ألف وأربعمائة مسلم، متجهين إلى مكة لقضاء أول عمرة لهم بعد الهجرة،
وحملوا معهم السلاح توقعا لشر قريش،
فلما وصل إلى ذي الحليفة أهل مُحْرما هو ومن معه، وبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بُسر بن سفيان إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش وردود أفعالهم.
وحين وصل المسلمون إلى عسفان(مكان بين مكة والمدينة)،
جاءهم بسر بأخبار
استعدادات قريش لصد ومنع المسلمين من دخول مكة..

فاستشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه ،
##############################
فأشار أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بالتوجه إلى مكة لأداء العمرة والطواف بالبيت،
وقال:
( فمن صدنا عنه قاتلناه، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : امضوا على اسم الله )
( البخاري ).

وصلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأصحابه في عسفان صلاة الخوف،
ثم سلك بهم طريقا وعرة،
متجنبا الاصطدام بخالد بن الوليد ـ وكان لا زال على الشرك ـ
حيث خرج من مكة بجنود ليمنع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من دخولها..
فمضى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه أصحابه باتجاه مكة حتى إذا اقتربوا من الحديبية بركت ناقته،
فقالوا: خلأت القصواء(امتنعت عن المشي)؟،
فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
( ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل )
ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم :
( والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها )
( البخاري )..

فلما نزل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحديبية
أرسل عثمان ـ رضي الله عنه ـ إلى قريش
#########################
وقال له:
أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عماراً، وادعهم إلى الإسلام، وأَمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، وأن الله عز وجل مظهر دينه بمكة..

فانطلق عثمان
########
فمر على قريش، فقالوا: إلى أين؟، فقال :
بعثني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ويخبركم : أنه لم يأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً..

ولكن عثمان احتبسته قريش فتأخر في الرجوع إلى المسلمين ،
فخاف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليه،
###########################
وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل،
فدعا إلى البيعة،
فتبادروا إليه، وهو تحت الشجرة ،
فبايعوه على أن لا يفروا، وهذه هي بيعة الرضوان التي
نزل فيها قول الله تعالى:
#############
{ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً }
(الفتح:18).

وأرسلت قريش
##########
عروة بن مسعود للتفاوض مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ،
ثم أرسلت سهيل بن عمرو لعقد الصلح ، فلما رآه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسلم قال :
قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل.
فتكلم سهيل طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح.

وقد روى الإمام أحمد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
################################
بدأ يُمْلي شروط الصلح، و علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ يكتب،
فأملاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
( بسم الله الرحمن الرحيم،
فقال سهيل :
أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم،  
فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم - عليًّا فكتبها كذلك،
ثم أملى ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
هذا ما صالح عليه محمد رسول الله،
فقال سهيل :
لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك،
ولكن اكتب محمد بن عبد الله،
فوافق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
وقال: والله ،
إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله ).


وأسفرت المفاوضات عن اتفاق سُمِّيَ في التاريخ والسيرة صلحا،
####################################
يقضي بأن تكون هناك هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات،
وأن يرجع المسلمون إلى المدينة هذا العام فلا يقضوا العمرة إلا العام القادم،
وأن يرد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من يأتي إليه من قريش مسلما دون علم أهله،
وألا ترد قريش من يأتيها مرتدا،
وأن من أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير قريش دخل فيه..

وبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو في قيوده وألقى بنفسه بين المسلمين،
###########################################################
فقال سهيل :
هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي،
فأعاده النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمشركين،
فقال أبو جندل :
يا معشر المسلمين أَأُُرَد إلى المشركين يفتنونني في ديني،
فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
**********************************
( إنا عقدنا بيننا وبين القوم عهدا، وإنا لا نغدر بهم )،
ثم طمأنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلا:
***********************************
( يا أبا جندل اصبر واحتسب،  فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا )
( أحمد )..

وافق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على شروط  المعاهدة،
###################################
التي بدا للبعض أن فيها إجحافا وذلاً للمسلمين،
ومنهم عمر ـ رضي الله عنه ـ الذي قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
( ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟،
قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلى،
فقال:
فَلِمَ نعط الدنية في ديننا إذاً ؟ )
( البخاري ) .

لكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ
###################
كان مدركا وموقنا أن هذا الصلح سيكون فاتحة خير وبركة على المسلمين بعد ذلك.
ثم انصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاصدا المدينة..

ومن خلال صلح الحديبية وأحداثه، يمكن استخلاص العديد من الدروس والحِكَم، ومنها:
#################################################
وجوب طاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
والانقياد والتسليم لأمره،
فعمر ـ رضي الله عنه ـ وبعض الصحابة كرهوا هذا الصلح، ورأوا في شروطه الظلم والإجحاف بالمسلمين،
لكنهم ندموا على ذلك،
وظلت تلك الحادثة درسا لهم فيما استقبلوا من حياتهم،
فكان سهل بن حنيف ـ رضي الله عنه ـ
يقول:
" اتهموا رأيكم،رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لرددته "..

وبقي عمر ـ رضي الله عنه ـ
زمنا طويلا متخوفا أن ينزل الله به عقابا لما قاله يوم الحديبية،
وكان يقول:
فما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت، مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ .
وهو القائل ـ رضي الله عنه ـ بعد ذلك وهو يقبل الحجر الأسود :
( إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك )
( البخاري ).

فتعلم الصحابة من صلح الحديبية
###################
وجوب طاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
والانقياد لأمره وإن خالف ذلك العقول والنفوس،
ففي طاعته ـ صلى الله عليه وسلم ـ
الصلاح المتضمن لسعادة الدنيا والآخرة، وإن قصر العقل عن إدراك غايته وعاقبة أمره ..


وفي هذا الصلح المبارك
##############
ظهرت أهمية الشورى،
ومكانة المرأة في الإسلام،
وأهمية القدوة العملية في موقف واحد.


روى الإمام أحمد بسنده من طريق المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم - رضي الله عنهما -
قصة صلح الحديبية في حديث طويل، ذكر فيه أنه لما تم الصلح بين النبي- صلى الله عليه وسلم - ومشركي قريش
قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
#######################
فقال:
( يا أيها الناس انحروا واحلقوا )،
قال:
فما قام أحد، قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد بمثلها، فما قام رجل،
فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فدخل على أم سلمة فقال:
( يا أم سلمة ! ما شأن الناس؟ قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلت ذلك،
فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم -
لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون ).

فكان رأي أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ رأياً موفقا ومشورة مباركة، وفي ذلك دليل على استحسان مشاورة المرأة الفاضلة مادامت ذات فكر صائب ورأي سديد،
كما أنه لا فرق في الإسلام بين أن تأتي المشورة من رجل أو امرأة، طالما أنها مشورة صائبة،
فالشورى سلوك ينظم الحياة والأسرة في كل شؤونها،
قال الله  تعالى:
#########
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }
(الشورى:38).

وفي قبول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمشورة زوجته أم سلمة تكريم للمرأة،
التي يزعم أعداء الإسلام أن الإسلام لم يعطها حقها وتجاهل وجودها،
وهل هناك اعتراف واحترام لرأي المرأة أكثر من أن تشير على نبي مرسل،
ويعمل النبي - صلى الله عليه وسلم -
بمشورتها لحل مشكلة  واجهته في حياته .

وفي هذا الموقف أيضا التأكيد على أهمية القدوة العملية،
##################################
فقد دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أمر وكرره،
ومع ذلك لم يستجب أحد لدعوته،
فلما أقدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الخطوة العملية التي أشارت بها أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ تحقق المراد،
فالقدوة العملية أجدى وأنفع،
خاصة في مثل هذه المواقف ..


وظهر في صلح الحديبية مدى حب الصحابة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ،
############################################
يعبر عن ذلك عروة في قوله لقومه:
( أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ،
والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ محمدا،
والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده،
وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره،
وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه،
وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده،
وما يحدون إليه النظر تعظيما له،
وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها )
( البخاري ).

ومن الحكم الباهرة من صلح الحديبية أنه كان بابا ومفتاحا لفتح مكة .
#######################################
ولئن لم ينتبه المسلمون لهذا في حينه،
فذلك لأن المستقبل غائب عنهم،
فقد اختلط المسلمون بالكفار ـ بعد عقد الصلح ـ وهم في أمان،
ودعوهم إلى الله، وأسمعوهم القرآن،
ولم يُكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه،
ودخل في سنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك بل أكثر ..
فقد خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الحديبية في ألف وأربعمائة،
ثم خرج عام فتح مكة بعد عامين في عشرة آلاف،
وهذا ما بشر به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  أصحابه أثناء رجوعه إلى المدينة بعد عقد المعاهدة والصلح،
حينما قال:
#######
( أنزلت عليَّ الليلة سورة لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس.
ثم قرأ:
{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً }
(الفتح:1) )
( البخاري ) .

قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:
####################
" إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية " .

إن عرض الإسلام والدعوة إليه في جو من الهدوء والأمان، وحرية الحوار بالحجة والكلمة الطيبة،
كان له أبلغ الأثر، وذلك لأن الحق له قوة يظهر بها على الباطل،
فإذا أحسن العرض والدعوة إليه، واختير القول والوقت المناسب،
وكان الداعية عالما بما يدعو له، حكيما في دعوته، كانت النتائج أعظم ..

لقد كان صلح الحديبية غنيا بالدروس والحِكَم، التي ينبغي الوقوف معها والاستفادة منها في واقعنا ومستقبلنا كأفراد ومجتمعات ...
############################################################################
وأنت، كم من مصيبة كنت تظنها ستكون القاضية،
وكم من حزن ظننت أن الدنيا لن تحلو بعده،
وكم من عزيز فقدته فتوهمت أنه لم يعد بعده شيء يستحق الحياة، كم وكم؟!
لكن الحياة عادت كما كانت، ولربما بطعم أحلى وأقدار أجمل،
فلا تتضايق وانتظر الفرج،
فثقوا بالله وتوكلوا عليه
تصلح أحوالكم وتطيب نفوسكم،
وقدموا بين يدي ربكم عبادة خالصة وعملاً صالحًا وخلقًا حسنًا وسلوكًا سويًا.

إننا بحاجة إلى هذا الإيمان بالله وهذا اليقين وهذه العقيدة
#################################
في زمن فسدت فيه القيم والأخلاق،
وتجرّأ الناس فيه على المعاصي والسيئات،
وارتكبت المحرمات
وسفكت الدماء
وانتهكت الأعراض،
وتعدى المسلم على أخيه المسلم،

إننا بحاجة إلى هذا الإيمان
#################
لنتجاوز المحن والفتن والابتلاءات
وقد حفظنا ديننا وأخوتنا وأوطاننا ومجتمعاتنا،
إننا بحاجة إلى تقوية هذا الإيمان في قلوبنا حتى نشعر بمعية الله وتوفيقه،
وحتى لا تطول تعاستنا ويزداد شقاؤنا وتكثر همومنا ومشاكلنا.

عباد الله:
######
إن بعد العسر يسرًا،
وإن بعد الشدة فرجاً ومخرجاً،
وإنها لسنة من سنن الله الذي بيده كل شيء، وأمره بين الكاف والنون،
وإرادته فوق كل شيء
مهما كانت قوة البشر ومهما أحكمت خططهم ومهما كثرت عدتهم وأعدادهم، ومهما بلغ كيدهم وبطشهم وجبروتهم،


اللهم اجعلنا ممن يتوكلون على ربهم حق التوكل
#############################
واحفظنا بالإسلام
وأدم علينا نعمة الإيمان، احفظنا
واحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من كل شر وبلاء،
اللهم ألف على الخير قلوبنا،
وأصلح ما فسد من أحوالنا،
واهدنا صراطك المستقيم،
وتولنا في عبادك الصالحين.

هذا؛ وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله،
فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
[الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد،
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين، وا
avatar
الشيخ حسنى شتيوى
Admin
Admin

عدد المساهمات : 315
تاريخ التسجيل : 17/09/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى